منذ ثلاثة عقود لم يكن مصطلح تقنية النانو "”Nanotechnology معروف أو مستخدما في الأوساط العلمية و لكن فلسفة هذه التقنية و هذا العلم قد أشير لها من قبل عالم الفيزياء الشهير Richard Feynman و ذلك في محاضرته الأستشرافية لمستقبل التقنية البشرية و بالتحديد في مجال أمكانية التحكم في الذرات و الجزيئات بشكل منفرد، و التي أشار فيها و بشكل فلسفي الى أمكانية الوصول الى أجهزة و الآت دقيقة أطلق عليها Nano-scale machines ، و التي بواسطتها يمكن أن نكون المصانع الدقيقة Nano-factories و التي بدورها ستمكن العلماء من صناعة أجهزة و الآت تصغر شيءً فشيءً مع تقدم هذه التقنية، عندها نصل الى تلك التقنية التي تمكننا من التحكم في الذرات و الجزيئات بشكل منفرد، و الجدير بالذكر أن Richard Feynman لم يستخدم مصطلح تقنية النانو لوصف هذه التقنية المستقبلية و لكن كان يصفها بتقنية التحكم المباشر في الذرات و الجزيئات المنفردة. و في عام 1974 ظهر مصطلح تقنية النانو في محاضرة للبرفوسور Norio Taniguchi في جامعة طوكيو للعلوم و ذلك كمصطلح مرادف لوصف الالآت الدقيقة و التي كانت بمقياس الميكرو Micro-machines و في 1986 بدأ أول أستخدام لمصطلح تقنية النانو "”Nanotechnology في الأوساط العلمية بعد ما نشر Drexler بحثه الشهير بعنوان "محركات الأنشاء: عصر تقنية النانو القادم"، حيث أخذ بعد ذلك هذا المصطلح بعدا أخرا ليشمل الى جانب التعامل الصناعي مع الذرات و الجزيئات جميع أبعاد الأنتاج العلمي النظري و التجريبي للمواد ذات أبعاد النانو “nanomaterials” و التي تتراوح أبعادها من 0.1 نانومتر (الأبعاد الذرية) الى 100 نانومتر. أما تعريف تقنية النانو فغير متفق عليه حتى الآن حيث تختلف التعاريف بأختلاف التعامل مع هذه التقنية و بشكل عام يمكن تعريف تقنية النانو أنها " التقنية التي تعطينا القدره على التحكم المباشر في المواد و الأجهزة التي أبعادها تقل عن 100 نانومتر و ذلك بمراقبتها و قياس و دراسة خصائصها و كذلك القدرة على تصنيعها"
بعد هذا الإجاز السريع لتعريف بتاريخ مصطلح هذه التقنية الحديثة "تقنية النانو" دعنا نتعرف الى طبيعة المدى الذي تتعامل معه هذه التقنية الحديثة، من المصطلح Nanotechnology نجد أن كلمة nano هي الكلمة التي تحتاج الى تعريف أو بالأصح تحتاج الى تقريب معناها الى الأذهان، و لعل أفضل الطرق هي مقارنتها الى ما هو محسوس لدينا، و في البداية دعنا نعرفها بشكل علمي رقمي، أن كلمة Nano تعني المسافة التي يساوي طولها طول جزء واحد من مليار جزء من المتر و تكتب (9- 10 متر)، و لتقريب الصورة لنتذكر سويا المسطرة المدرسية التي يبلغ طولها (30 سم) و ننظر الى المسافة الأصغر فيها، أي المسافة بين المليمترات في هذه المسطرة و تخيل معي أنك قمت بتقسيم هذه المسافة الصغيرة (1ملم) الى مليون قسم عندها سيكون كل قسم من هذه الأقسام المليون 1 نانومتر (1 nanometer) و لمزيدا من التقريب فأن متوسط قطر شعرة رأس الأنسان يصل الى 70000 نانومتر، أي كأنك تقارن طول سيارة و احدة مع صف من السيارات يبلغ عددها 70000 سيارة، ولك أن تتخيل أن مسمى "تقنية النانو" لا يطلق ألا على التقنية التي تتعامل مع الجسميات التي تقل أبعادها عن 100 نانو متر.
و الآن ما المميز في هذه التقنية و لماذا هذا الأهتمام الكبير و الترقب العجيب لوصولها؟ أن تقنية النانو قد كسبت كل هذا الأهتمام بسبب الخواص العجيبة "لمواد النانو" التي تحدثنا عن مدى صغيرها أنفا، بالإضافة الى أمكانية تصنيع أجهزة و أدوات ذات قدرات تقنية عالية جدا تقدم الحلول الناجحة لكثيرا من المشكلات الصحية و الغذائية و الصناعية و التقنية و البيئية التي يواجهها البشر في عالم هذا اليوم.
أن مواد النانو و جسيمات النانو التي يطلق عليها nanomaterials و nanoparticles على التوالي لها خواص فيزيائية و كيميائية عجيبة و ذلك عندما تكون هذه الجسيمات في حالة جسيمات نانو ، حيث تختلف خواصها و بشكل كبير جدا عن خواصها أذا كانت في حجمها الكبير(bulk) أي عندما تكون جسيمات يتجاوز حجمها مقياس النانو و بتحديد عندما تكون أحجامها أكبر من 100 نانومتر، و هذه الخاصية جعلت من مواد و جسيمات النانو "معجزة علمية جديدة" فسبحان الله العلي القدير. و حتى نقترب من الصورة أكثر دعنا نستعرض بعض المواد المعروفة لدينا مثل الذهب Gold ، من المعروف أن معدن الذهب مستقر كيميائيا و عليه فهو لا يتفاعل مباشرة مع المواد و لهذا بقي هذا الذهب بأمر الله مجودا في صيغته الطبيعية في صخور الأرض منذ نشئتها الى يومنا هذا، و لكن عندما نحصل على جسيمات نانو من الذهب nanogold particles فأنه و مع تجزيء هذه الجسيمات الى جسيمات أصغر و أصغر، أي عندما تتغير أبعاد هذه الجسيمات من 100 نانومتر الى أبعاد أصغر مثل 80 نانومتر، 60 نانومتر ، 40 نانومتر و هكذا فإن لون الذهب المعروف لدينا يتغير الى الوان أخرى تختلف حسب أختلاف أبعاد و أشكال هذه الجسيمات.
كما أن جسيمات النانو الذهبية nanogold تتفاعل مع الأشعة تحت الحمراء و تحولها الى حرارة، مع ملاحظة أن الذهب في حالته العادية لا يتفاعل مع الأشعاع الكهرومغناطيسي، أما جسيمات النانو الذهبيةnanogold يمكن أن تحول هذه الأشعة الى حرارة قادرة على حرق الأنسجة الخلوية، و هذه الظاهرة يعمل الباحثين حاليا على تطويرها من أجل أستخدامها طبيا للقضاء على الخلايا السرطانية مما سيساعد بأذن الله في القضاء على هذا المرض الذي عانت منه البشرية عقودا كثيرة، و حسب التجارب الأولية فإن جسيمات الذهب هذه تستطيع القضاء على هذا المرض بأذن الله دون أي أثار جانبية تذكر كما هو الحال مع الطرق التقليدية.
و الجدير بالذكر أن مواد النانو يمكن أن تكون صناعية أي يتم الحصول عليها صناعيا و من أمثلتها الجسيمات الدقيقة لذهبnanogold و للفضة nanosilver و السلكون nanosilicon و أنابيب الكربون الدقيقة carbon nanotube ، و النقاط الكمية quantum dost و غيرها، و هذه المواد أي مواد النانو الصناعية يمكن أن تنتج بطريقتن هما:
- تقنية "التصغير" Top down و هي الطريقة التقليدية للحصول على مواد أدق من المواد الكبيرة و في حالة الحصول على مواد النانو فأن الكثير من الطاقة و الوقت يبذلان للحصول عليها، و عليه فإن الباحثين يسعون لتطوير أجهزتهم و أدواتهم لرفع كفائة هذه الطرق و التي ستسهل الحصول على مواد النانو.
- تقنية "البناء" Bottom up و هذه هي الطريقة الحديثة التي ستقدمها لنا تقنية النانو و التي عن طريقها يمكن للعلماء بناء مواد النانو ذرة ذرة أو جزيء جزيء و تعتبر هذه التقنية هي ثورة تقنية النانو حيث يمكن أستخدام الذرات و الجزيئات لبناء جسيمات أكبر يمكن التحكم في شكلها و خواصها.
كما يمكن أن تكون مواد النانو مواد طبيعية موجودة أصلا في الطبيعة مثل جسيمات الطين الدقيقة nanoclay و أنابيب السليلوس الدقيقة cellules nano-fibers و كذلك جسيمات السليكون و مركباته مثل جسيمات nano-silicon carbide، و في أغلب الحالات يتم معالجة هذه الجسيمات لتصبح ملائمة للإختبارات العملية و لتطبيقات الصناعية.
و كل هذه المواد قد و جدت طريقها في التطبيقات العلمية و الصناعية و مازال العلماء يدرسون خواصها و يبحثون عن تطبيقات أخرى للحصول على أكبر فائدة ممكنة من هذه المواد.
و يجدر الإشارة هنا إلى أن تقنية النانو تدين في تقدمها الى التقدم الكبير الذي حدث في أجهزة مجاهر المجسات الماسحة Scanning Probe Microscopes (SPM) و التي تشمل مجهر التيار النفقي الماسح Scanning Tunnelling Microscopy (STM) و مجهر القوة الذرية Atomic Force Microscopy (AFM) و كذلك التقدم في تقنيات المجاهر الإلكترونية Electronic Microscopes (EM) و التي تشمل المجهر الإلكتروني الماسح Scanning Electron Microscopy (SEM) و المجهر النفاذي الماسح Transmission Electron Microscopy (TEM) و التي أدت الى أمكانية تصوير و تحديد خواص جسيمات النانو و كذلك إلى إمكانية دراسة الذرات و تحديد مواضعها و كذلك تحريكها الى المواضع التي يريدها الباحثين كما هو الحال مع أجهزة المجسات المجهرية(STM) و (AFM) ، و طبعا هذه الأجهزة أدت إلى تقدم أبحاث تقنية النانو الى جانب وظائفها الأساسية في دراسة خصائص أسطح المواد و تصويرها بدقة تمييز " Resolution" تصل الى المستوى الذري "atomic-level resolution" و كذلك دراسة الخصائص المغناطيسية لها.
و ألآن أين نحن من تقنية النانو و هل هناك تطبيقات لها في وقتنا الحاضر؟ طبعا هناك الكثير من التطبيقات و في كثير من المجالات، و بالأخص في مجالات صناعة الرقائق الألكترونية و التي تعتبر أول تقنية قدمت لنا أول تطبيقات تقنية النانو حيث أصبحت الرقائق الألكترونية دقيقة جدا تحتوي على ملايين الدوائر الألكترونية و التي أستخدمت فيها تقنية النانو "للحفر" على رقائق السيلكون و التي تدعى “nanolithography” و من التطبيقات إيضا و التي تم تسويقها فعلا للمستهلكين تقنية تقوية البلاستك بأستخدام جسيمات النانو لأنتاج مركبات النانو nanocomposites”" حيث دخلت هذه التقنية في صناعات كثيرة لعل من أهمها صناعة السيارات و التي بدأتها أولا شركة السيارات الشهيرة تويوتا Toyotaفي عام 1990 حيث أستخدمت جسيمات nanoclay في تقوية مادة nylon 6 البلاستيكية و ذلك لتصنيع بعض القطع في سياراتها مما أدى الى رفع كفائة صناعاتها و أشتهار هذه التقنية، و في القريب العاجل سيتم أستخدام هذه المركبات المقواة بمواد النانو nanocomposites في صناعة الطائرات و المركبات الفضائية و غيرها، و الأبحاث العلمية في هذا المجال ما زالت مستمرة، و كثيرا من الأبحاث تعتبر في بداياتها و الجدير بالذكر أن هذه المركبات أي المركبات المقواة بجسيمات النانو تمتاز بخواص مكانيكية و حرارية و كهربائية فائقة تجعل منها بديلا ممتازا لمواد الصناعة و البناء التقليدية، كما أن جسيمات النانو و جدت طريقها في كثير من الأستخدمات لعل من أبزها تقنية تنقية المياة من الميكروبات و المواد السامة، و كذلك في حل معضلة تخزين غاز الهيدروجين في خلايا الوقود “Fuel Cells” و التي يعكف الباحثون على تطويرها حاليا لتكون مصدرا عالي الكفائة لطاقة الكهربائية يمكن أن تحل محل محركات السيارات التقليدية، و كذلك يمكن لجسيمات النانو و تركيبات النانو nanostructures أن ترفع كفائة الخلايا الشمسية لتصل الى كفائة تحويل تتجاوز ثلاثة أضعاف كفائة الخلايا الشمسية الحالية مما يعد بمستقبل طاقة نقي و ذو كفائة عالية.
أن الكثير من الباحثين و المهتمين في مجال تقنية النانو يتفقون على أن السنوات العشر القادمة إن _شاء الله_ ستكشف لنا الكثير و الكثير عن هذه التقنية الحديثة حيث ستحيط بنا هذه التقنية و تطبيقاتها و منتجاتها من جميع الأتجاهات. و أذا ما عدنا قبل الختام لعنوان هذه المقالة و التي أخترت لها "تقنية النانو التحكم في الأقزام العملاقة" فهذه ستكون هي ثورة هذه التقنية و ذلك عندما نستطيع السيطرة على هذه الجسيمات الدقيقة جدا "الأقزام" و التي تملك خواص عجيبة و غير مفسرة في كثير من الحالات تجعل من هذه الأقزام "عملاقة" بالنسبة للمواد التي تكبرها، و التحكم هنا يقصد به بناء هذه الجسيمات و كذلك التحكم في خواصها و الأستفادة منها أستفادة كاملة و كذلك تصنيع أجهزة النانو الدقيقة ذات التطبيقات المتعددة، و كما ذكرنا سابقا فإن تقنية تركيب جسيمات النانو ذرة ذرة أو جزيء جزيء هي ثورة هذه التقنية و ذروتها و بعدها الأفتراضي و النظري و الذي قد لا يكون قريب المنال، لذلك فما زال أمام الباحثين الكثير من التحديات و الصعبات يجب عليهم تخطيها، و لكن تطبيقات جسيمات النانو و التي ذكرت سابقا ستكون بإذن الله في متناول المستهلكين في غضون السنوات القليلة القادمة.
Copyright A. Alhuthali © 2009
Saudi Center of Nanotechnology
saudicnt@gmail.com